مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

136

رجالات التقريب

الواجبات الشرعية . وأول من رفع شعار التقريب بين المسلمين هم أهل البيت . ولم يرفعوه شعاراً يتحدثون عنه فحسب ، بل جسدوه أيضاً حالة عملية وحاجة تطبيقية ، وقدموا على طريقه تضحيات كبيرة جداً على المستوى الشخصي لهم وعلى مستوى الجماعة والفئة التابعة لهم والملتزمة بسلوكهم ومسيرتهم . ولقد تحدثت عن مواقفهم هذه في كتاب : الوحدة الاسلامية من منظور الثقلين . وهناك مجموعة من المبادئ الرئيسية المعروفة لدى مذهب أهل البيت تجسّد هذه الحالة مثل مبدأ التقية . هذا المبدأ هو مبدأ تقريبي ، ولو طالعنا نصوصه مطالعة واعية لوجدنا أنه لا يقتصر على الجانب الامني بل يشمل أيضا البعد التقريبي ، والبعد الوحدوي وهو بعد مهم غفل عنه كثير من الباحثين . وأشرت في كتابي المذكور إلى نصوص التقية التي تكرّس هذا البعد التقريبي الوحدوي . وثمة مبدأ آخر غفل عنه كثيرمن الباحثين هو مبدأ التعايش بين المسلمين . وقد نادى أهل البيت ( ع ) بهذا المبدأ وهو من خصائص مدرستهم . هناك تيارات الخوارج وتيارات الجهاز الحاكم وتيارات الانتهازيين وتيارات الثوريين المنتسبين لأهل البيت ( ع ) مثل الزيدية الذي تبناه بعد ذلك الحسنيون بعد زيد وأولاده . وتمتاز مدرسة أهل البيت بين كل هذه التيارات بدعوتها إلى مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين . ونرى مصاديق هذا المبدأ في دعوة أهل البيت للاشتراك في صلوات الجماعة وزيارة المرضى والاهتمام بالأمور الاجتماعية مثل تشييع الجنائز والوفاء بالعقود وغيرها من المسائل التي دعوا المسلمين جميعاً إليها ، من أجل أن يؤكدوا مسألة التعايش . وهذا مبدأ مهم لم يدرس بشكل كامل مع الأسف في أبحاثنا السياسية والاجتماعية . لقد تبنّى أمير المؤمنين ( ع ) مبدأ الحرية السياسية ومبدأ التعددية السياسية في المجتمع الاسلامي ، وهو تبنّ فريد يمتاز به عن بقية الحكام . وظل أهل البيت يتبنون هذا الرأي . وهي ظاهرة سياسية مهمة . فالامام يعتقد أن الخوارج على خطأ ، وأن الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة على خطأ في موقفهم ، لكنه لم يتخذ موقفاً قمعياً لاسكاتهم ، وإنما ترك لهم الحرية في أن يتحركوا . وكان يكتفي بإدانة مواقفهم . وبقوا يتحركون حتى رفعوا السلاح بوجه الإمام علي ( ع ) . عندئذ لجأ إلى مايحافظ على وحدة المسلمين . وأئمة أهل البيت تبنوا أيضا مقولة : « لاستسلمنّ ماسلمت أمور المسلمين ولم يكن الجور الا عليّ خاصة » . وهي مقولة ذات دلائل وحدوية . وهذه هي مبادئ التشيع وأفكاره . وفي تاريخنا القديم والحديث صور كثيرة تعبّر عن الموقف العملي لهذه الحالة الوحدوي » ( مقابلة / 46 ) . ويرى السيد الحكيم أن مدرسة أهل البيت كانت في مواقفها العملية على مرّ التأريخ تتخذ المواقف العملية المجسّدة لمبدأ التقريب ، والعصر الحديث شهد استمرار هذه المواقف . والواقع أن الحوزة العلمية في مدينة قم كان لها مواقف رائدة في هذا المجال في العصر الحديث ،